المنتدي مغلق للتصفح حاليا وسوف يتم افتتاح الموقع بشكل جديد وطريقة اخرى بعد شهرين

إعلانات الموقع
ضع إعلانك هنا ضع إعلانك هنا ضع إعلانك هنا
ضع إعلانك هنا ضع إعلانك هنا ضع إعلانك هنا

.:: لـــوحة الشرف ::.

قريباً

قريباً

قريباً

قريباً


اهداءات منتديات سحايب الاحساء


العودة   منتديات سحايب الاحساء الثقافية >  منتديات الادبية  > سحـايب القصص والروايات ..~
سحـايب القصص والروايات ..~ [ هـمـس روائـي ] وَ [ قـصـة قصيـره ] وَ أعذب ما مر على الأزّمـان ,



 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 12-12-2013, 01:30 AM   #11

افتراضي رد: حكايات بين الرفوف (م.ق)


سعاد

(سعاد) فتاة تبلغ من العمر 26 عامًا ، طيبة القلب (فقيرةً قبيحةً) لاذوق لها في اللباس أو غيره فليست كباقي ذوات جنسها إذ أنها تجهل أبسط صيحات الموضة والأناقة وماتفعله باقي الفتيات , تعرفت على شابا يدعى (يوسف) عن طريق الماسنجر مكانها الوحيد الآمان , حيث تحب الجلوس فيه طويلا والتحدث دون كللا أو ملل كملجأ تختبأ داخله من خطرا يحدق بها هاربة إلى المجهول ببساطة عقلها وتواضعه .

كانت تتحدث إليه كلَّ ليلةٍ ساعات طويلـة ، لم تكـن تعرف شكله ، أيضًا لم يكن يعرف شكلهـــا , يتكلمان عن كلِّ شيءٍ أحلامهما أمانيهما , أخبرته بقبحها وفقرها أرادت أن تكون صادقةً مع نفسها قبل أحد , تعلَّقــت به كثيرًا لجديته وتمسكه بأحلامه ورغبته الصادقة في تحقيق ذاته ، غير أنه وبعد أشهر أنقطعت عنهــا أخباره أختفى من عالم الماسنجر فجأةً دون وداعٍ .

مرَّت سنونٌ أربع تزوجـت خلالها شقيقاتهـا الأصغر منها سنا ، بينما هي ظلَّتْ عزبــاء تنتظر فارس الحلم الذي لم يأتي , حزنت لحالها فلازوج ولا مالا يغنيها ولاحتى جمال .

نفسيتها السيئةً ما عادت تطيق أحدا , لوحدها تبكي دائما وتصرخ بسببا أو بدونه , كان أهلها يراعون مشاعرها لعلمهم بحالتها وقلبهــا المكسور ومحدودية عقلها وتفكيرها , يوسوس لهــا الشيطان لترتكب محرما إلا أنهـا صبرت صبرًا لا يحتمله بشر .

ذات صباح ، آنَ كانت جالسةً على الماسنجر كعادتها حزينةً تندب حظها العاثر الذي عرفته ولم يعرفها بعد , فجأة جاءتها رسالة :
- أهلًا سعاد ، كيف حالك ؟
إنها من يوسف ! ياإلهي
أنتابها فرحا صام عنها أعواما وأعوام , أخذت تتحدث معه طويلًا كأنها تنتقم من السنوات الأربع التي تصرَّمت من عمرها
لحظتها باغتها يوسف بسؤال : أريد أن أراك الليلة ؟
- سعاد : أنت تعلم جيدًا بأني لستُ فتاة من هذا النوع الذي تظنه .
- يوسف : بالطبع أعرف ذلك ، لكن لا تظني بي سوء ، فأنتي تعرفيننـي جيدًا , وإذا كنتِ خائفةً أحضري من تثقين به معك !
أعطاهــا أسم المطعم ورقم الطاولة ، وقال لها : أراك الليلة في الساعة الثامنة ، وأغلق الماسنجر .

أحتارت في أمرها ماذا تفعل؟ وماذا يريد منها؟
الوقت يمرُّ عليها سريعا مترددة بين الذهاب من عدمه , أسئلة غزيرة دوختها جعلتها لاتقدر على الجلوس متسائلة في ذاتها :
- ماذا يريد مني؟
- طريقته في التحدث توحي بأنه إنسانٌ محترمٌ .
- ربما هو يخادعني!
- هل أذهب أم لا؟
- لماذا لا أجعل شقيقي يذهب معي .
- لا ، يريد خداعي والتلاعب بمشاعري .
- لكني أعرفه منذ زمن .
شيئًا فشيئًا كبرت الفكرة داخل رأسها , حتى حزمت أمرها بالذهاب لوحدها ، بقلبها المكسور ، وأحلامها المحطمة ، ومشاعرها المضطربة .

في الساعة الثامنة تمامًا دخلت المطعم وهي تمشي بخطوات مضطربة خائفة ، تنظر هنا وهناك لم تعرف أين هي فالموقف ومايحدث لها جعلها تائهة ضائعة , زمانا رمى بها وأجبرها أن تغوص عميقا , جميع الحاضرين في المطعم راحوا ينظرون إليها بملابسها القديمة البالية بعضهم يضحك وآخر يشفق عليها فمكانها ليس هنا فلم تعتد أجواء كهذه , شدة من عزمها وبحثت عن الطاولة الموعودة حيث كان يجلس عليها شابٌ وحيًدا غير منتبها منشغلا يقرأ (كتاب قائمة الطعام) .

نظرت إليه من بعيد لكنها لم ترى وجه الشاب إذ سترته عنها القائمة ، مترددة خائفة أتذهب وتجلس في طاولة معه أم تعود بيتها الذي لم تحس يوما بدفء جدرانه وستر نوافذه ألا ساعتها , أستجمعت ماأستطاعت من قواها الخائرة وآمالها المشتتة وذهبت إليه مباشرة .
- سألته : أأنت يوسف؟
رفع رأسه بكل هدوءٍ وقال ببرودا شديد : نعم أنا (يوسف)!
أستغربت جدًا حينما تمعَّنت ملامح وجهه كضربة أخرى تلقتها على رأسها , راح تكلم نفسها الحائرة : أمعقول ، هذا الممثل (يوسف) الذي بالتلفزيون , إنه من أشهر وأجمل الممثلين في البلاد , أظنني أخطأت بالمكان !
- سألته مرة أخرى كي تتأكد : هل أنت الممثل (يوسف)؟
- أجابها : بنعم .
- قالت له : يبدو أنني أخطأت الطاولة .
همَّت حينها بالرحيل ، عند ذاك قال لها يوسف : انتظري يا (سعاد) ...
وقع أسمها كان مدوِّخًا عليها ، زلزلها من الداخل ، مما جعلها تتسمَّر في مكانها داهشةً لا تعرف ماذا تصنع , غير أن (يوسف) انتهز فرصة تجمدها وضياعها
ليكمل حديثة : نعم أنا الممثل يوسف ، وأنا أيضًا من كنت أحادثك طوال هذه الفترة في الماسنجر .
- سعاد : لا, لا, أنت تخدعنــي !
- يوسف : لا , لست أخدعك ، أنا من كنت أحادثك , أخبرتك قبل أربع سنين بأنني أريد أن أصبح ممـــــثلًا، أنقطعت عنك كل هذه الفترة كي أحقق حلمي ، ولقد حققـته كما ترين !
غلبتها الحيرة , فقالت له : ماذا تريد مني الآن؟
- يوسف : أردت أنا أراك كي أرى تلك الفتـاة التي شجعتني وكانت تقول لي دائما : حاول وحاول وأجتهد وسوف تصبح ممثلًا كبيرًا يومًا مـــا, الجميع كان يسخر ويضحك مني عداك , أنتي فقط من شجعني ووقف إلى جانبي بكلماتك البسيطة الصادقة ، كلِّ نجــاح أحققه أتذكرك في نفسي وأقول : إنها تلك الفتاة التي كنت أحادثها في الماسنجر، أيدتني وزرعت أملا في طريقي ، حقا , أريد أن أشكرك .
- قالت له مستغربةً من كل الموقف : أحضرتني إلى هنا كي تخبرني بهذا فقط؟
- يوسف : أنتِ أخبرتني بأنك قبيحة وفقيرة ، ولكنني لم أخبرك ...
- قاطعته (سعاد) باكية , لاتريده أن يكمل , جال في خلدها ما يفكر فيه ,
- قالت له : توقف أرجوكَ , لم أعد أحتمل كل هذا!
- يوسف : لا , لا, أمسحي الدموع من عينيك وأنظري إليَّ !
نظرت إليه لكنها لم تتمالك دموعهــا , فمن يلومها على ذلك ,
- قال لها يوسف : أنا لا أريد فتاةً جميلةً ، ولا أريد فتاةً غنيةً ، أريد الفتاة التي وقفت إلى جانبي وساندتني بروحها الصادقة , أريد فتاةً طاهرةَ القلب ، نقية الــروح ، مخلصة في نواياها معي ، فهل تـــتزوجين بي ياسعاد ؟!



 
التوقيع :


قديم 12-17-2013, 09:11 PM   #12

افتراضي رد: حكايات بين الرفوف (م.ق)


كما قلت سأضع قصة لو أمكنني ذلك قبل السفر , هذه قصة أخرى قبل موعد أقلاع الطائرة ب 12 ساعة , ألتقي معكم حين عودتي بأذن الله بعد مايقرب من أسبوعين , وأتمنى أن تكون القصة وأيضا القصص السابقة نال أستحسان الجميع , خالص تحياتي



 
التوقيع :


قديم 12-17-2013, 09:12 PM   #13

افتراضي رد: حكايات بين الرفوف (م.ق)


رحلة على القارب

(جاسم) ورفاقه ذهبوا إلى البحر قاصدين الصيد في يوما وقتئذ كان البحر هادئا كريما فلا أمواج ولا عواصف , أسماك كثر خيرات ونعم , أصطادوا كل ماوقع في شباكهم أصابهم الطمع أكثر راحوا يبحرون في أعماق المحيط غير آبهين بتقلبات البحر وغدره .

أصطادوا وأصطادوا , وبعد أن فنت قناعتهم بكثرة الأسماك التي لديهم مشبعين بذلك جشعهم , أخذوا طريقهم في العودة كي يقتسموا مالهم وعليهم , ولكن مالم يتوقعوه قد حدث , إذ أنهم ظلوا طريق العودة ولم يعرفوا أين هم ؟ حاولوا هنا وهناك دون جدوى وكأن البحر أراد أن يرد شيئا من دينه الذي أخذوه .

بينما هم ذاعرين تغلبهم الحيرة وصلوا إلى مكان شؤما تملؤه (أسماك القرش) أكثر وحوش الأرض دموية وشراسة وسفك لدماء بني البشر , عرف (جاسم) بذلك فهو الخبير بينهم في شؤؤن البحر وخباياه , هنا صرخ برفاقه قائلا : هذه بقعة خطيرة للغاية , فالقروش هنا متوحشة وبشكل مخيف جدا وذكية , حيث أنها تقلب القارب ثم تنقض على من فيه لتأكل لحمه وتتشبع به! طالب رفاقه بالهدوء والصبر والدعاء عل معجزة تنجيهم من تلك المصيبة .

دقائق مرت عليهم رأوا خلالها ثلاثة قروش من بعيد بدت كمن تتربص بهم , أرتعبوا كثيرا لا يعرفون ماذا يفعلون , لحظات هجمت عليهم تلك القروش هجومـــا بسيطا وكأنها أرادت أن تختبر عزمهم وشجاعتهم وصبرهم , بستماتة قاوموا وقاوموا حتى تمكنوا من أبعادها , خيم صمتا رهيب بعدها في كل مكان أختفت خلالها القروش بشكلا يدعو لترقب والحذر كهدوء البحر الذي تسابقه الأمواج , ألا أن ذاك لم يمنعهم من الفرح والأحتفال ولو بشكلا مؤقت فمن يلومهم على سعادتهم بعد أن تخلصوا من قروش أو نعوش في لجة البحر .

ظل (جاسم) يفكر لبرهة مستعيدا بذكراه وقتا بعيدا مضى , تذكر شيئا سره فقال لرفاقه : الآن عرفت هذه المنطقة جيدا , لقد جئت إليها من قبل , أظنني تذكرت طريق العودة! عم القارب سرورا وبهجة ليس كمثلها , أستجمعوا قواهم المنهارة حركوا قاربهم بسرعة ألا أن فرحتهم لم تكتمل إذ رأوا جمعا كبيرا من القروش متجهة نحوهم كأنها تنتظر صرخات الفرح تعم القارب لتحولوها إلى صيحات ودعوات , لم يحبط ذلك من عزيمتهم قرروا الأسراع في الهرب لكن بعد ماذا؟ حاصرتهم القروش من كل مكان وهجمت عليهم لتقلب قاربهم , هنا عرف (جاسم) بأنه إذ لم يتمكن من الفرار خلال دقائق معدودة سيكون آخر مايسمعه صوت عظامه تتكسر بين فك القروش ,
قال لرفاقه : لايوجد أمامنا عدى حلا وحيد!
رد رفاقه بسرعة : أخبرنه أرجوك ؟
قال : يرمي أحدنـا بنفسه إلى القروش , يضحي لأجلنا كي لا نموت جميعا!
أصابت الدهشة كل من في القارب , لم ينطق أحدهم بكلمة كأنهم لم يسمعوا شيئا مما قاله (جاسم) فعاجلهم بقوله : قرروا بسرعة , تلاحقوا أنفسكم قبل أن تأكلنا هذه الوحوش اللعينة !

بين مصدقا ومكذب من رفاقه لاحت أعينهم إلى أصغر من كان بينهم وهو (شابا مراهق) كان جاسم صديقا لوالده المتوفي , غلب (جاسم) ترددا شديد لم يشعر به من قبل , فكر وفكر فما كان منه ألا أن أمسك بذلك الشاب بقوة شديدة مهزهزا أياه كأنه يهز محيطا بأسره وقال له : سامحني يابني! ثم ألقى به إلى البحر, أحاطته القروش من كل جانب راحوا يتلاقفونه فيما بينهم حتى أكلوه جلدا ولحما وعظما, أستغل (جاسم) الفرصة وفر هاربا بسرعة مبتعدا عن تلك البقعة الملعونة مقتربا أكثر من شواطىء مدينته ومدينة رفاقه الذين لم يستيقظوا بعد من ذلك الكابوس المرعب كحلما لم يعيشوه .

بعد أن وصلوا أتفقوا جميعا على التكتم عن ماحدث , تعاهدوا فيما بينهم أن يحتفظوا بسرهم حتى قبورهم , يخبرون الناس بأن الشاب مات غرقا في أعماق البحر , بعد فترة شعر (جاسم) بتأنيب الضمير يحمل ذلك الذنب الذي لو رماه في بحر لفاض من ثقله , يبكي وحيدا في صمت الليل وسكونه متحسرا نادما على مافعل .

أياما مرت جاءت والدة الشاب إلى (جاسم) تختزن بداخلها هموما وأحزان وبعض الأمل , طلبت منه أن يأخذها إلى مكان غرق أبنها , راحت تبكي وتتوسل إليه قائلة : ربما أبني لم يغرق , يحتمل أنه خرج من البحر دون دراية منكم , ربما ينتظر أحدا ما ليساعده! وافق (جاسم) على ذلك ليدخل الفرح إلى قلبها ويكفر شيئا ما عن فعلته , رغم معرفته ما حدث في عمق المحيط وأصبح بذلك سره الأعظم .

ركبوا القارب راح (جاسم) يعوم هنا وهناك في البحر موهما والدة الشاب أنه يبحث عن أبنها فعلا , لكن مالم يخطر على باله قد حدث ؟ فقد ظل طريقه مرة أخرى ووصل إلى ذات المكان المشؤؤم الذي رمى فيه الشاب حيث تختبئ تحت جلابيبه وحوشا لاتشبع لحما ولادما , وكأن القدر أراد منه أن يكفر عن خطأه بحق .

دقائق فقط وحاصرتهم تلك القروش , أحتار (جاسم) في أمره ؟ فكر وفكر سيطر عليه الخوف , فما كان منه ألا أن أمسك والدة الشاب بقوة شديدة أرعبت وحوش المحيط لشدتها وغدرها وقال لها : سامحيني أرجوك , ثم ألقى بها في البحر كما فعل مع أبنهـا! هجمت عليها القروش وراحت تأكلها وتستطعم لحمها وتتذوق مرارته الشديدة كمرارة لحم أبنها الذي أكلوه قبل وقت , أستغل (جاسم) الفرصة وفر هاربا .



 
التوقيع :


قديم 12-18-2013, 05:29 PM   #14

افتراضي رد: حكايات بين الرفوف (م.ق)


لاهنت بطررحك
متابعه بصمت



 
التوقيع :

..

اللهم صل على محمد وال محمد
وعجل فرجهم واهلك اعدائهم

...

قديم 12-26-2013, 11:05 PM   #15

افتراضي رد: حكايات بين الرفوف (م.ق)


جميييييييل جداً
يعطيك العااافيه

سلمت آنااملك
لك خ ـــالص تح ــياتي



 
التوقيع :


قديم 01-23-2014, 04:53 PM   #16

افتراضي رد: حكايات بين الرفوف (م.ق)


فنجان قهوة
أمل الأنتظار

انا اللي بتشرف اكثر بتواجدكم في متصفحي
تحيتي



 
التوقيع :


قديم 02-13-2014, 11:25 PM   #17

افتراضي رد: حكايات بين الرفوف (م.ق)


نظرا لتوقفي , سأكمل موضوع (حكايات بين الرفوف) بقصتين !



 
التوقيع :


قديم 02-13-2014, 11:26 PM   #18

افتراضي رد: حكايات بين الرفوف (م.ق)


الأنطوائي


(حسام) ذو الـ25عاما أصابته تلك العلة والفوبيا مذ كان صغيرا عصفت به ومحته من المجتمع والمحيطين به تماما , دفنته في رمال عوالم أخرى وأرواح مختلفة موهمة أياه بلذة تلك المقابر وجمالها رغم ضيقها وظلمتها الموحشة
يعيش وحيدا في شقته لايخرج منها عدا مرة واحدة كل أسبوع كي يشتري لنفسه طعام وشراب ومايغنيه عن الخروج لفترة , يمتلك جسما رياضيا جدا يمارس رياضة رفع الحديد وأثقل الأوزان في شقته كأنه يتقصد بذلك تذوق طعم الألم والقسوة التي يشعر بها في داخله ويتلذذ تعذيبا في نفسه التي أنطوت على ذاتها رافضة كل من حولها , كان أنيقا جدا إذ أنه يحلق لنفسه فأصبح يتقن تلك المهنة ويتفنن في رأسه وذقنه ليقنع نفسه بأنه في غير حاجة لأحد , أضاف الرسم إلى هوايته إذ أن الريشة أصبحت حبيبته التي لاتفارقه تنساغ بسلاسة بين أصابعه ترسم مايشعر به خياله الخصب الواسع الذي ينقله عالم تلو عالم ضاربا عرض الحائط واقعه الذي يعيشه ولايعيشه .
يقضي معظم أيامه ولياليه في سماع الموسيقى التي تزعزع الفؤاد من مكانه وتجعل الدم يفور في كل جسده بل وتجره مجبرا إلى عزلة بين ذاته , تصيبه بحالة من الوهم والهوس إذ تبحر به في عالما ماعرفه غيره مختبئا من واقعه هاربا منه يتخيل نفسه مرة لاعب كرة قدم مشهور يكون هو المتسبب في فوز فريقه وجالب المجد له والجمهور يحبه ويعشقه بكل جنون , بحرا آخر يغوص فيه موهما حاله بأنه فنان مشهور ذو صوت شجي يقطع القلب بآهاته الحزينة والناس تطارده في كل مكان كي يغني لهم ويطربهم , عالم آخر مختلف يدخل فيه معتقدا نفسه ذو أناقة قل نظيرها في أحد يسير في ذاك السوق الكبير والحشود ينظرون إليه بكل أعجــــاب وحسد .

كان يحب خياله وعالمه الذي خلقه وصور أحداثه بنفسه , لم يرضى أحدا أن يتشاركه معه , فالعزلة التي أصابته أو تلك اللعنة قضت على كل ماهو حقيقي واقعي لديه جعلته يظن بأن الحياة هكذا أكثر لذة وجمالا وشبق , نصب نفسه دكتاتورا يمارس أبشع وأقذر الأساليب على نفسه ليروضها عن العالم الخارجي الذي مافكر يوم أن يعيشه بل بنى سدا حول نفسه منقطعا عن كل ماخلفه عدى من شقيقه (راشد) الذي يكبره بسنتين ويتكفل بمصروفه لأنه يعلم بحالته جيدا .

أحد الأيام قرر الشقيق السفر إلى الخارج لإكمال دراسته وتحقيق حلما عاشه منذ الطفولة , في منتصف تلك الليله ذهب إلى شقة (حسام) جلسوا يتحدثون يتمازحون قليلا يتذكرون طفولتهم مراهقتهم ساعات طويلة حتى أطل الفجر بنوره عليهم فقال (حسام) لشقيقه : لما لاتذهب للنوم , فغدا رحلتك طويلة ؟
شقيقه : في الحقيقة كنت أنوي الذهاب إلى صالون الحلاقة , لكن الوقت تداركني الآن , مارأيك أن تحلق لي فأنت موهوب ولديك الخبرة؟ وافق (حسام) فرحا , وبالفعل راح يحلق رأس شقيقه ويتفنن ببراعة حتى وصل ذقنه آن ذاك دموعا ذرفت من عينيه التي لبدت الحزن ورآئها , يبكي ويبكي بصوتا ماكاد يسمع , أنتبه له شقيقه مما جعله يشفق عليه ويتعاطف معه , تحاشى النظر لعينيه خوفا من أن يجرحه , لملم قواه التي خارت فور رؤيت دموع أخيه , سأله في خجل : ما يبكيك يا(حسام)؟ الذي ظل منشغلا في الحلاقة متهرب من سؤاله برهة , توقف لحظتها عما يفعل ومسح دموعه بكفي يديه وقال : لاشيء! وعاد ليكمل ماتبقى من ذقن شقيقه حتى انتهى , ثم ودعه بعدها بكل تلك المشاعر والأحاسيس التي بينهم عاشوها وسايروها منذ صغرهم .
هم الشقيق بالخروج من الشقة بخطواته الثقيلة حتى لحظة وصوله إلى الباب توقف لشيئا شغله ولم يسمع أجابته , رجع لـ(حسام) وسأله : أكنت تبكي , لأنني سوف أسافر وأتركك وحيدا؟
حسام: لا , لم اكن أبكي لذلك , بالعكس تماما فرحت بشدة لسفرك وتحقيقك لحلمك
شقيقه: إذا أخبرني ما كنت تبكي ؟
حسام: مذ أن كنا صغار وأنت تساعدني دائما تعطيني المــال , وتعلم بأنه ليس لدي شيئا أقدمه لك فلا مالا أملك ولا وظيفه , كنت دائما أريد أن أقدم لك شيئا ولو بسيط فما فعلته لي لايقدر بثمن لن أنساه ماحييت ,عندما طلبت مني أن أحلق لك فرحت بشدة لدرجة أبكت عيناي , لأنني أستطعت أن أرد لك ولو جزء بسيطا مما فعلت , أنا أعلم بأن ماطلبته مني سخيف وتافه لكنك لم تعلم مدى الفرحة التي غمرتني عندما كنت أخدمك
تمالك الشقيق نفسه التي تأثرت مما سمع ,وقال : سيأتي يوما ما سيكون لديك كل شيء وستكون أنت الذي تساعدنا وتعطينا
حسام: لن يأتي هذا اليوم وأنت تعلم , أذهب الأن كي ترتح قبل سفرك ,
غادر شقيقه الشقة وقلبه يتقطع حسرة على حالة (حسام) من تلك المحادثة الأليمة التي جرت بينهم .
مرت الأيام (حسام) على حالته وحيدا في شقته بين عالمه يعيش , كل فترة يدخل في دنيا أخرى خيال مختلف , ذات يوم كان يمارس رياضته المعتادة فجأة , دق باب شقته بقوة شديدة ماسمعها قط , مما أثار غرابته فلا يعرف أحد ولايريد أن يعرف , لم يقل شيئا يترقب بصمت دقات الباب التي أزدادت قوة ظل يدافع عن حياته المنعزلة بكل أستماتة ولم يرد , إذ بصوت فتاة خلف الباب تقول : أفتح الباب أرجوك , أفتح الباب أرجوك , لم يهتم لها كأنه غير موجودا لايسمعها بوحدته وأنطوائيته ظلت تدق وتدق كأنها تريد دخول حياته عنوة , فتح الباب مستسلم لها , ألا أنه لم يدعها تدخل
قال لها : ماتريدين؟
الفتاة : أرجوك دعني أدخل هناك أناس يلاحقوني
حسام : لكني لاأرى أحدا ؟
الفتاة : أنا مهاجرة غير شرعية شرطة الهجرة ومخالفة الأقامة تطاردني , أرجوك دعني أدخل .
ظلت تلح تلح تورط معها كيف يمنعها من الدخول , فكر وخاطب أناس في عوالمه الكثيرة تشتت بين إجاباتهم وافق كالمجبر على أدخلها .
جلست دقائق دون أن تتكلم فقال لها : سأمهلك حتى الليل ومن ثم غادري ,
الفتاة : لاأستطيع ذلك لأن شرطة الهجرة ستظل تذهب وتعود في المنطقه , أرجوك دعني أجلس في شقتك لثلاثة أيام فقط بعدها سأغادر
حسام : لا , لا حتى الليل ثم أرحلي ,
أخذت تبكي الفتاة وتصر عليه كي يجعلها تجلس في شقته ثلاث أيام حتى وافــق مرغما على ذلك كارها متأفف ذهب وأحضر لها كأسا من الماء ,
قالت له : ماأسمك ؟
نظر إليها بضيق وقال : أسمعيني جيدا سأجعلك تجلسين في شقتي ولكن لاأريدك أن تتكلمين معي , حسنــا
تركها ودخل غرفته إلى أن غطى في سباته مشوشا يشعر بأن هناك شيئا يربت على صدره شخصا آخر دخل عالمه متسللا يريد أن يدمر مابناه ويصنع فيه الفوضى ويعيث في عالمه فساد .
مر اليوم الأول دون يتكلم معها ولم ينظر حتى إليها كأنه يعيش على كوكب آخر غير الذي نعيشه لا هواء فيه ولا ماء برغم ألحاحها الشديد وأسالتهــا الكثيرة , فقط كان يحضر لها الطعام في موعده دون أن ينطق ببنت شفه .
في اليوم الثاني آن كان في غرفته كعادته يستمع إلى موسيقاه متخيلا نفسه في أحد عوالمه الخاصة , فجأة دون سابق أنذار دخلت عليه الفتاة مقاطعة ذلك الجنون وتلك النشوة التي طالما عاشها , مما أثار أستغربها من تصرفاته فسألته وعلامة التعجب أرتسمت عليها : ماذا تفعل ؟
لكنه لم يرد عليها وكأنه لم يسمع شيئا مما قالت , كررت سؤالها مرتين وثلاث دون جوابا منه , مما أغضبها وحيرها أكثر
فقالت له : أتعلم بأنك مجنون ؟ لاتريد أن تتكلم معي ومذ دخلت شقتك لم أرك تغادرها قط , وإذا بي الآن أشاهدك تسمع الموسيقى وتكلم نفسك وتضحك كالمجانين , حتما أنك مصاب بمرض ما
رد حسام بكل بهدوء : ألم أخبرك ألا تتحدثين معي ؟
الفتاة : حقا لن اتكلم معك , فأنا لا أعرف من أنت , وما بك , انا سأغادر الشقة ولايشرفني الجلوس معك , لكن قبل أن أغادر دعني أسألك , هل تعرف نفسك من أنت ؟
كلام تلك الفتاة كان كالجمر الذي أنصب على جسد (حسام) أثار مشاعره وأحاسيسه , زلزله وخنقه في عبرته دون أن يقدر على قول شيئ , نظر إلى (المرآة) التي تعرفه أكثر من نفسه ظل ينظر وينظر وينظر حتى أجهش بالبكاء وقال بصوت ملء
ضعفا حياء كأنه يفجر عوالمه التي عاشها ويقتل أصدقاءه الذين أحبهم طوال سنينه :
- أنا حسام
- حسام الأنطوائي
- حسام الذي لن يتزوج ولن يرى أولاده
- حسام الذي لايملك وظيفة ولا مرتب شهري
- حسام الذي لايستطيع أنا يمارس رياضته ومايحب أمام الناس
- حسام الذي لايستطيع أنا يقود سيارة , حسام الذي ليس لديه اصدقاء
- حسام الذي لن يغادر هذه الشقة أبدا
- حسام الذي يعرف علته ومرضه وحتى دواءه وعلاجه ولم يستطع أن يعالج نفسه
- أنا حسام ياسيدتي! أنا حسام !

بكت الفتاة ندما وحسرة بعد أن أصابته في مقتل وجرحت مشاعره وقلبه وعرفت مابه ومايعانيه , لم تدري ماتفعل فأقتربت منه وامسكت بيده كأنها تريد أن تشاركه عالمه وتدخله
وقالت له: (حسام) أنني متأسفة , أنا حقا حقا آسفة , لقد اخطأت في حقك فعلا , أنت أنسان طيب القلب فلقد أستضفتني في شقتك ولم أشكرك بل ظللت أقول لك كلام قاسي جدا , وأنت لم تجرحني حتى بكلمة واحدة , لاأعلم لم قلت لك كل هذا , هل تسامحني يا(حسام) ؟
ظل يجهش في بكاءه غير مكترث بها كطفلا تلقى صفعة قاسية من والدته , بقيت الفتاة ممسكتا بيده لاتريد تركه كأنها أحبته وأحبت عالمه بكل مافيه وقالت له : مارأيك أن تتزوجني ياحسام؟
قال بصوت تملؤه الحشرجة : لكنك لست من عالمي , أنا عالمي لايوجد به أشخاصا حقيقيون
قالت: سأكون (فتاتك الخيالية), سأكون لك من تريد مارأيك يا(حسام)؟
قال : لاأعلم , أنا متعب الآن وأريد أن أنــام وغدا لناظــره قريب
فتركها وذهب لينام في غرفته بينما الفتاة عاتبت نفسها بشدة على ماقالته لاتدري كيف تشفي الجروح التي سببتها له فأستلقت وغطت في سباتها تنتتظر الصبح القريب يأتي .
بزغت فجر اليوم التالي فزت الفتاة من نومها كأن شيئا أخافها راحت تنظر إلى الشقة هنا وهناك إذ بدت تختلف عما كانت عليه بالأمس , ذهبت بسرعة إلى غرفة (حسام) فلم تجده , ضاعت أفكارها وتشتت ولكن ماشد أنتباهها ورقة على الطاولة جديدة نظيفة وكأنها لتو كتبت فتحتها فوجدت مكتوبا فيها :
لقد سامحتك على ماقلتيه عني أنا أعلم بأنك فتاة طيبة , لكني تركتك لأني أحب حياتي , حياتي التي لايشاركني فيها أحد , عالمي الذي لايوجد به سوى أشخاصا خياليون لايحقدون لايخطئون لاينظرون إلي نظرة شخصا مريض , أناس أحبهم ويحبوني , أنه قدري أن أعيش هكــذا , وأنا اتقبل قدري هذا , لقد تركت لك الشقة والآن أصبحت ملكا لك , أتمنى أن تتزوجــين بشابا صالح , دعواتي لك بالتوفيق والنجاح في حياتك , المخلص حسام.
أنهارت الفتاة حسرة وندما سقطت الورقة من يدها لأنها لم تستطيع أن تساعد (حسام) في محنته وأزمته , وجعلته وحيدا يعاني ويقاسي وهي تعلم مابه من عله , أما بالنسبة له فذهب الى شقة شقيقة (راشد) الذي كان مسافرا , ورجع إلى حياته التي أحبها وأخذ يستمع إلى الموسيقى كما العادة ويبحر في عالم من الخيال , لكن خياله هذه المرة وصل به إلى حد الجنون والعظمة , إذ تخيل نفسه (ممثلا عالميا(
فاز بجائزة أفضل ممثـل في حفل توزيع جوائز الأوسكار , والجمهور يصفق له بحرارة , فرفع (حسام) يده باكيا وبدأ يحيـي ويلوح للجمهور ,لكنه لم يكن جمهورا في الحقيقة , بل كانت مجرد خيالات واوهام (رجل انطوائي) .


- (قمة الألم أن تعرف علتك ومرضك ودوائك ولاتستطيع أن تعالج نفسك , يكون الوضع أشبه بأنتظار الموت! أو كما يقولون : انتظار الموت اسوء من الموت نفسه).



 
التوقيع :


قديم 02-13-2014, 11:27 PM   #19

افتراضي رد: حكايات بين الرفوف (م.ق)


(الرجاء من أصحاب القلوب الضعيفة عدم قراءة القصة)
البلدة المجهولة


في تلك الصحراء القاحلة الشاسعة الجميلة ورملها الناعم التي يقصدها هواة الرحلات والمغامرون كان (ياسين) وصديقيه يجلسون هناك بعيدا عن مشاكلهم وهمومهم التي عصفت بهم وأجثمت صدورهم قضوا فيها أيام سعيدة مبهجة يضحكون يتمازحون فيما بينهم يعيشون بلا هم أو غم متمنين لو أن رحلتهم تظل إلى الأبد ولكنهم يعلمون جيدا بأن كل رحلة ولها حد كما رحلة الحياة التي سوف تنتهي يوما ما .

بعد أن أفرغوا مافي صدورهم وتمتعوا كما لو أنها آخر رحالهم التي يخرجونها , قرروا العودة إلى ديارهم متثاقلين سيارتهم ركبوا بكل كسل وكأن شيئا ما يمنعهم من الرحيل أخذوا يسيرون في طريقهم الرملي ذاك يتحدثون عن هذه الرحلة التي لن ينسوها أبدا .

في خضم سعادتهم توقفت السيارة فجأة دون سبب كأنها تريد أن تفسد متعتهم , حاولوا أصلاحهــا هنا وهناك لكن بدون فائدة فلم يعرفوا علتها أو مابها , لم ييأسوا فهذه الأمور تحدث غالبا ظلوا يحاولون ويحاولون بلا نتيجة , وبالرغم من أنهم أعتادوا على هكذا أمور لكن هذه المرة أحسوا برهبة ما وشيئا لايبشر خيرا .

شعورا بيأسا وممل جلسوا ينتظرون (لاأحد) في هذه الصحراء القاحلة علهم يبصرون ذا نفس ينقذهم من مصابهم , مرت الدقائق والساعات يحاولون تارة أن يصلحوها لكن كل شيئا فيها لم يمسه خراب أوعطل وكأنها لعنة حلت بهم لايعرفون مصدرها .

مر يوما بحالتهم تلك ولم يحركوا ساكنا من مكانهم أكلهم شرابهم بدأ ينفذ منهم والحر والأرهاق الشديد غلبهم , تشاورا فيما بينهم مالعمل ؟ حتى قرروا المجازفة والذهاب سيرا على أقدامهم , فالمحاولة أفضل من الجلوس وعدم فعل شيء .

مشوا ومشوا علهم يجدون ضالتهم أما طريقا أو بشرا أو عسى بئرا يشربون منه ماء , نظروا هنا هناك لكن إلى أين ؟ لايوجد ألا شمس لاتطاق ورمالا حارقة تحيطهم وكل الطرق فيها تؤدي إلى هناك .

يوما دوخهم قدر مر على سيرهم لاماء لاطعام لابشرا لاهواء ولا حتى حيوان يعطيهم بضع أمل , يصلون يدعون بأنفاس متعبة قطعها الجفاف إذ أصبحوا في حالة حرجة جدا لاتطاق لايحتملها حتى من ولد ليعيش في هكذا مكان .

ظلوا متماسكين حتى آخر أنفاسهم يسيرون خطوات ويقعون أخرى وبينما هم على مشارف الموت يفكرون ما يكتبون في وصاياهم على ذاك الرمل الناعم وفي ذنوبهم ومعاصيهم التي أرتكبوها وعطشهم وجوعهم ,إذ (بياسين) كأنه يشاهد من بعيد سراب بلدة صغيرة ؟ فقال لصديقيه غير مصدق بأنفاسه تلك التي لايكاد يسمع صوت لها : أنظروا هناك , كأنها بلدة ؟

مكذبين ومصدقين أخذوا يسارعون خطواتهم وكأن الحياة أطلت عليهم من جديد وتبسمت , فسراب تلك البلدة هو الأمل الوحيد أمامهم وكأنهم يخاطبون أنفسهم قائلين : نعيش على أمل أفضل من أن نعيش بدونه , أقتربوا وأقتربوا من ذلك السراب التي أتضح أنه بلدة بالفعل مهللين مكبرين فرحين متناسين كل مابهم حتى وصلوا تلك البلدة ودخلوها .

فور أن وطأة أقدامهم إذ لفت أنتباههم وكأن البلدة خالية خاوية على عروشها إذ لم يلحظوا أحدا فيها لكنهم لم يهتموا لذلك الأمر كثيرا فحالتهم التي هم فيها تجعلهم يتناسون أغلى مايملكون .

دخلوا أول منزل صادفوه ذهبوا بسرعة إلى المطبخ يبحثون عن شربة ماء تروي ظمأهم أوقطعة صغيرة من فتات تسد جوعهم فتحوا الثلاجة فرأوها مليئة باللحم وزجاجات كثيرة من شراب مثلج غمرتهم سعادة عارمة أخرجوا اللحم وزجاجات الشرب التي عندما أرادوا أن يشربوا منها إذ مكتوب عليها شراب كحولي (خمر) , شعروا بخيبة أمل كبيرة فأرجعوه إلى مكانه وعندما أخذوا اللحم لطبخه كان مكتوب عليه (لحم خنزير), غضبوا بشدة لما حدث وكأن الحياة تصفعهم باليمين والشمال وترفض مساعدتهم , خرجوا من ذاك المنزل المشؤؤم بسرعة دخلوا آخر غيره ماأثار حنقهم جدا بأنهم أكتشفوا بأن بأن مافيه ألا لحم خنزير وخمر فقط .

خرجوا منه متأملين خير لعلهم يجدون حلال يبعدهم عن ذاك الحرام دخلوا منزلا ثالثا ورابعا وخامسا حتى دخلوا نصف منازل البلدة لكن طآمتهم أصبحت أكبر مما عانوه في تلك الصحراء التي كادت أن تكون قبورا لهم , إذ لم يجدوا فيها ألا لحم خنزير نجس وخمر محرم يذهبوا بالعقول حتى الماء الذي يجعل كل شيئا حي لم يكن موجود .

لم يعرفوا مايصنعون وكيف يتصرفون فالجوع والعطش والأرهاق والتعب فعل بهم مافعل , قال (ياسين) لصديقيه : ليس أمامنا ألا هذا , أن نشرب الخمر ونأكل لحم الخنزير !
مما حدى بصديقيه الرفض بشكل قاطع فقالوا له : لن نأكل ولن نشرب فهذا (حرام)!
قال (ياسين) : أعلم ذلك , لكن نحن مجبورين على ذلك , رد الصديقين بعناد تام : لا, لا, لن نأكل ولن نشرب , أشتط (ياسين) غضبا وحنقا وقال : اللعنة عليكم , كنا نسير في تلك الصحراء الحارقة ثلاثة أيام لم نأكل خلالها شيئا ولم نشرب , الجوع العطش التعب أرهقا جسمي كثيرا ولم أعد أحتمل وإذ لم أأكل شيئا فسأموت , لن أهتم لكم فلتذهبوا إلى الجحيم لأني سأشرب الخمر وسأطبخ لحم الخنزير وإذا أراد أحدكم ان يبقى حيــا فليأكل معي .

غير مبال بشيء أخذ (ياسين) يشرب الخمر ويأكل لحم الخنزير ضاربا عرض الحائط كل ماحوله فالجوع كافر حقا كما يقولون , لحظات غلب على صديقيه الجوع والعطش ظلوا مترددين متلخبطين في قراراتهم حتى شاركوه مائدته .

أكلوا شربوا وشبعوا أصيبوا بحالة (سكر خفيفة) خرجوا من المنزل ليبحثوا في البلدة عن أهلها التي بدت كسجن دخلوه دون جريمة أو ذنب عدى أنهم جاؤها بعد أن تقطعت بهم السب ولا مفر لهم ألا بين زنازينها تمنوا لو لمحوا سراب كالذي لمحوه في رمقهم الأخير قبل دخلوها علهم يرون أحدا يخبرهم أين هم , ويوصلهم إلى ديارهم , دخلوا كل منزل كل غرفــة قلبوا تلك البلدة رأسا على عقب لكنهم لم يجدوا أحد كأن من بها مجرد مقابر خالية حتى من الجثث , صرخوا نادوا بصوتا عال : يأهل البلدة أين انتم ؟ أيوجد أحدا هنا ؟ لكــن أحدا لم يكن هناك عدى ذاك الهدوء المخيف كأنه ينبأ بعواصف وأهوال قادمة تدمر كل من تجرأ عليها , نظر (ياسين) لصديقيه ولاحت على ملامحه علامة حيرة كبيرة وقال :
- ماهذه البلــدة ؟
- لمـا هي هادئة هكذا ؟
-لمـا لايقطنها أحد ؟
- لما لايوجد بها سوى لحم خنزير وخمر ؟

قالوا له : لانعلم!
قال لهم (ياسين) : اللعنة! فليخبرني أحدكم ماخطب هذه البلــدة !

بعد أن أيقنوا بأن البلدة لا نفس فيها ولا بشر رجعوا مرة أخرى إلى ذاك المنزل أكلوا لحم الخنزير وشربوا الخمر بكثرة كأنهم أعجبوا به طعاما ظنوه حلال وشراب بدى لهم كعصير مبردا يخرج من كأسه ضباب لشدة برودته وعذوبته شربوا وشربوا إلى حد الثمالة حتى أصبحوا في حالة (سكر تام).

ذهبت عقولهم وقست قلوبهم غير دارين يتكلمون يتمازحون يطلقون النكات على بعضهم البعض قليلا قليـلا حتى أخذ كل شخص يسخر من زوجـة الآخر وهم تائهين تقودهم ثمالتهم يشربون أكثر وأكثر معتقدين بأن الخمر يروي ظمأهم الذي قطع أوصالهم في وسط تلك الصحراء التي لم ترحمهم .

شيئا فشيئا تطور الأمر وبدأ كل واحدا فيهم يشتم والدة الآخر , تصاعدت حدة الوتيرة بينهم غير عارفين بما يجري لهم وحولهم وماآلت إليه حالتهم فلا عقل يفكر ولاقلب يحن , حتى وقعت الكارثة وتشابكوا بالأيدي تشاجروا تقاتلوا وتناحروا خلالها دماء تنزف من من كل قطعة في أجسادهم كأنهم ينتقمون من بعضهم على تلك الرحلة التي أسعدتهم.

في أثناء هيجانهم وثورة غضبهم أخذ (ياسين) سكينا وبدأ يطعن ويطعن في صديقيه حتى قتلهمــا , بعدها أمسك بزجاجة الخمر وشرب منها ثم رجع إلى صديقيه كأنه لم يشبع من لحمهم ودمهم وقام يطعنهما مرارا وتكرارا ويتفنن بما في يده على أجسادهم , لم يكتفي بذلك بل قطــع رأسيهما ثم أدخل السكين في بطونهم وأخرج أمعائهم وأبتسامة شيطان أرتسمت على شفاهه وحالته ميؤس منها إذ الهوس والجنون وكل تلك الهستيريا جعلته كخنزيرا أكله وتشبع منه حتى أصبح مثله أو أكثر جلافة منه .

بعد أن هدء روعه شيئا ما وأنتقم من أعداءه الذين كانوا قبل برهة أعز رفاقه وأفضل من عرفهم رجع وأكل قطعا من لحم الخنزير القذر تبعه عدد من رشفات الخمر قرقع خلالها تلك العبوات في بعضها والدماء في أرجاء الغرفة وعلى يديه وملابسه , قرر الخروج لحظتها من البلدة والهروب خوفـا من أن يأتي , أحد ويكتشف جريمته الشنعاء .

خرج من المنزل يسارع نفسه التي أصبحت كمسخ أختبئ داخل جسده سار في تلك البلدة وصل أطرافها , لفت نظره لوحة خشبية مرمية على الأرض كانت بجانب قدميه ماشد أنتباهه رفعها ممعن النظر فيها جيدا فقراء ماكان مكتوبا فيها :
(الرجاء عدم دخول هذه البلدة , فأنهــا مصابة بـ(لعنة) من يدخلها لن يخرج منهـا حيا).

أثار ذلك غضبه بشدة ترآء له بأن أحدا يخدعه ويتلاعب به وهو يترنح مخمورا غير عارف بما يدور حوله فرمى اللوحة من يده ورجع إلى المنزل الذي قتل فيه صديقيه والدماء في كل مكان وجثة صديقيــه في حالة يرثـى لهـا , يشفق عليهم حتى من يملك قلب وحوش أو سباع نهمة .

لحظات ظل فيها متوقف حائرا شرب الخمر حينها بسرعة شديدة حتى تباطأ عن ذلك قليلا وتوقف إذ خالجته مشاعرا ماعرفها من قبل كأنه تنبه لكل ماحدث رمى زجاجة القسوة تلك من يده بكــى بعدها حسرة وقــال: اللعنة , لقد شربت الخمر , فضرب رأســه في الجدار حتى تقاطرت الدماء منه! قام مرة أخرى وهو في حالة هستيرية وهوس يتلوى ألما ووجعا في رأسه وقلبه من فعلته وقال :اللعنة , لقد أكلت لحم الخنزير , فضرب رأسه مرة اخرى بقسوة في الجدار حتى بدأت تسيل الدماء منه بغزارة شديدة! رجع أخرى صارخ نادما وبدل أن يموت عطشا جائعا أصبح يحمل ذنوبا تهد جبل وقال: اللعنـة , لقد قتلت صديقاي , فضرب رأسه مرة ثالثة بقوة شديدة في الجدار حتى تهشم وخر صريعا !



 
التوقيع :


قديم 04-13-2014, 12:49 PM   #20

افتراضي رد: حكايات بين الرفوف (م.ق)


اشكر كل من مر هنا ,
بعتذر عن التأخير لذلك سأضيف خمس قصص :

- أرجوك .. كن صديقي
- قطعة دجاج صغيرة
- صندوق المال
- فيلسوف في المطعم
- حلما لم يراودني مرة



 
التوقيع :


 

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
لق, الرفوف, بين, حكايات


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه للموضوع: حكايات بين الرفوف (م.ق)
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
حكايات على الطريق فدائية المنتظر سحـايب العـــام ..~ 8 08-19-2013 10:52 PM
حكايات الرحيل ليلى ! سحـايب العـــام ..~ 14 03-08-2011 05:32 PM
اروع الرفوف الجداريه رهيبة‎ meme ali سحـايب الإثاث والديكورات ..~ 2 02-06-2010 02:32 PM
للرحيل حكايات !! لحظة جنون سحـايب العـــام ..~ 12 05-11-2009 10:07 PM


الساعة الآن 02:59 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.